المستوطنين الايطاليين وذاكرتهم عن ليبيا

يوجد القلب حيث الوطن كان يوم احد مشمس في سنة 1955، وكان جيوفاني شيشيركو ذو التاسعة من العمر يتجه الي شاطئ طرابلس ليستمتع بالبحر الازرق الرائع والرمل الشبيه ببودرة الاطفال الناعمة مع اسرته، كما كان يفعل كل نهاية اسبوع. هناك حيث كان يلهوا مع اصدقائه الليبين، فيتعلم اللهجة الليبية، يرش الماء الصافي ويجري بعنفوان فوق […]

via المستوطنين الايطاليين وذاكرتهم عن ليبيا — Site Title

المستوطنين الايطاليين وذاكرتهم عن ليبيا

يوجد القلب حيث الوطن

كان يوم احد مشمس في سنة 1955، وكان جيوفاني شيشيركو ذو التاسعة من العمر يتجه الي شاطئ طرابلس ليستمتع بالبحر الازرق الرائع والرمل الشبيه ببودرة الاطفال الناعمة مع اسرته، كما كان يفعل كل نهاية اسبوع.

هناك حيث كان يلهوا مع اصدقائه الليبين، فيتعلم اللهجة الليبية، يرش الماء الصافي ويجري بعنفوان فوق الكثبان الرملية. “في البداية كان اهلي يأتون معي،” يقول، ولكن مع مرور الزمن، كان اهله يتركونه يذهب لوحدة، “قد كانت اشبه بالحفلات.” في الغذاء، كانوا يتناولون خليطا من الاكل ينحدر من المطبخين الايطالي والليبي، وفي بعض الاحياء شطائر الهامبرقرز ــــ وقد انتشر في حينها ولع بهذه الاكلة الذي استقدمها الجنود الامريكان بعد الحرب العالمية الثانية للمجتمع. في المساء، كان يذهب الي المسرح لمشاهدة الممثلين و المغنين الايطالين يقدمون العروض في الاماكن الرومانية الاثرية.

اليوم وفي عمر 71، يستذكر شيشيركو بحزن تلك الايام الخوالي و “ليبيا الجزء المفقود من قلبة.” لقد اجبر علي ترك البلاد التي ترعرع فيها في صباه خلفه بعد ان تم طرده هو واسرته من ليبيا سنة 1970، بعد انقلاب القذافي وحصوله علي السلطة. لقد كان في اواخر العشرينات من العمر في ذاك الوقت، ايطالي يافع يعمل تقني في البنك الليبي للدعم الريفي.

في كل مرة ازورها، كانت تبدوا كمدينة اشباح مليئة بذكريات الطفولة الخاصة بي.

جيوفاني شيشركو.

“ليبيا كانت الدورادو (مدينة مهجورة مليئة بالذهب يعتقد انه موجودة في مكان ما في غابات الامازون) الخاص بينا،” قال، ويذكر كيف انها كانت بلد يتوفر علي كل الاشياء للعيش جيدا، “من وفرة في الاكل و الفواكه الطازجة و سكان محلين حيويين حيث الايطاليين، الليبين و اليهود كانوا يتعاشون كتف بكتف وبتوافق وانسجام تام.” اللون الازرق الغامق للبحر الليبي يبقي جزء من روحه. في طرابلس كنت املك ميزة تذوق شطائر الهامبرقر قبل ان تصل ايطاليا بمدة طويلة. ابي كان يشارك في بناء اول مسرح وسينما ذات الطابع الغربي في ليبيا، حيث قام ايقونة الفن الايطالي فيتوريا قاسمان و ملكة الجمال مثل جينا لوليبريجيدا بالصعود علي خشبة ذلك المسرح.

شيشيركو ولد في طرابلس، وكذلك بالنسبة لأسرته. اجداده كانوا من بين مئات الالف من الايطاليين الذين بدؤا الهجرة الي ليبيا بعد 1911، عندما هزمت ايطاليا تركيا و انشئت مستعمرة الطرابلسية الايطالية ـــــ وكان هذا الاسم القديم لليبيا ابان فترة الاحتلال الايطالي. كانوا حرفين، خبازين، نجارين، بناة، تقنين و مزارعين يبحثون عن حياة جديدة في ارض جديدة، حتي ولو كانت تغطيها الصحراء (لاحقا تم اعادة احيائها وزرعها وتربية الحيوانات فيها ).

عندما اجبرهم القذافي علي الرحيل، قام بوضع حد لحياة المغتربين السعيدة تلك التي كانوا يحظون بها، كل املاكهم، تجارتهم، مزارعهم وحسابات البنوك الخاصة بهم صدرت. لقد تم منعهم من العودة الي ليبيا للابد، وفي ايطاليا، حيث لم يكونوا يملكون بيوتا، اجبروا علي العيش في مخيمات لجوء مما جعلهم يشعروا بأنهم كالغرباء علي بلادهم.

مرت عقود، ولكن الجراح لازالت طرية. منذ اجبارهم علي المغادرة، وهم يصارعون من اجل الحصول علي تعويض نقدي من الحكومة الايطالية ــــ التي ارسلتهم و اسرهم الي ليبيا في المقام الاول ــــ لأجل ما خسروه. وقد قام بأنشاء مجموعة ضغط للدفاع عن مصالحهم، تجمع في ثنياتها اكثر من 20,000 حفيد من المستوطنين السابقين.

في سنة 2009، قام رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني و القذافي بعقد صفقة سمحت للمستوطنين الذين لازالوا يحنون لبيوتهم و وطنهم الاسبق بالعودة وزيارة ليبيا، علي الاقل في العطلات. ولكن “في كل مرة زرت فيها ليبيا، لقد كانت كمدينة الاشباح المليئة بذكريات الطفولة،” يقولوا شيشركو، ذكر ايضا كيف ان بيته القديم قد تغير. “لم املك الجرأة الكافية لدق باب البين ومعرفة من يسكنه حاليا.”

الصراع من اجل تعويض تام لازال عالقا. “لقد طلبنا 350 مليون يورو، وهيا تمثل 10% فقط من اجمالي قيمة ما تم حجزة من املاكنا واموالنا،” ويشرح دانيل لومباردي، مسؤول الاتصال في المنظمة الايطالية للعائدين من ليبيا. ” الي حد الان، ايطاليا منحتنا 200 مليون يورو فقط، ولا نعلم متي سيتم دفع باقي المبلغ.

ويعتبر انعدام الدعم اكبر اسباب الاحباط عند العائدين. الحكومة كانت مهتمة اكثر بعقد عقود استثمارية مهمة ـــ وتحديدا النفطية والبنية التحتية _ مع الجهات الليبية المسؤولة في عوض رد الحقوق الضائعة، وبحسب ارتورو فارفالي، باحث في مؤسسة ميلان للدراسات السياسية الدولية. فارفالي كان من اوائل الباحثين الايطالين الذين سمح لهم بدراسة ارشيف وزارة الخارجية الايطالية: “فقد ظهر جليا انه وطوال عقود من العلاقات الثنائية المتوترة، كانت الحكومة تتبني استراتجية ’التعويض الاقتصادي المتوازي’ مفضلة اتباع مصالحها التجارية عوضا عن  مصالح المهجرين من الايطالين،” يقول فارفالي، الذي قام بنشر كتاب عن هذه الورقات المثيرة للجدل.

النهج اللين الذي اتخذه برلسكوني في التعامل مع القذافي توجت بقصة حب سخيفة بين الاثنين، مع اقامة حفل باذخ جدا في روما في سنة 2010 علي شرف القذافي. وقد ضم الحفل خيول ليبية، راقصات شرقيات و عروض قتالية, وكان القذافي قد منح ميزة البقاء في خيمة بدوية فاخرة جدا في حديقة عامة. برلسكوني شوهد ايضا وهو يقبل يد القذافي بعد عقد صفقات بترولية ــــ هذه الصداقة شهدت نهاية مفاجئة بعد سقوط القذافي وموته في السنة التالية.

“منذ ذلك الحين، مع حالة الصراع السياسي في ليبيا، لم اعد الي هناك،” يقول شيشركو. ولكن في زيارتي سنة 2009 و 2010، كان قد شعر انه يعود الي بيته. بعد ايام قليلة قضاها في ليبيا قام بأسترجاع اللهجة الليبية منذ ايام الطفولة، وزار اصدقائها القدامي وقام بالحديث مع السكان المحليين الذين كانوا سعيدين بسماعهم ايطاليا يتحدث لغتهم. لان هو يحلم فقط بالسلام لليبيا و الشعب الليبي … و ايضا بالسفر لليبيا في اقرب فرصة ممكنة..

ترجمة: معاذ ابوالزمازم

المقال الاصلي كتابة: سيلفيا ماركيتي

المصدر:

http://www.ozy.com/flashback/the-italian-settlers-whose-hearts-belong-to-libya/75929#.WL6mBK2juP0.twitter